
كل يوم نقرأ إعلانات عن مئات الدورات، الكورسات، الورش تدريبية..
لكن في الحقيقة القليل منها يترك أثراً حقيقياً..
بعض التجارب التعليمية تنتهي بانتهاء الجلسة، بينما تجارب أخرى تبقى معنا شهوراً، وربما سنوات،
كأنها حفرت، او التصقت بالذاكرة..
فما الذي يجعل تجربة تعليمية تختلف عن مجرد معلومة عابرة؟
وما الذي يجعل ورشة واحدة تغّير شخصاً… بينما لا تترك أخرى أي بصمة؟!
السّر ليس في المحتوى فقط، بل في تصميم التجربة نفسها وفهم: كيف ومتى يتذكّر الإنسان؟ كيف تؤثر به الفكرة، وتصبح جزءاً من إدراكه، وتغيّر من عقليته أو تعيد ترتيب أفكاره..
ستساعدك النقاط التالية في تصميم تجربة تعليمية تترك أثراً حقيقياً وتشكل قيمة مضافة في حياة المتدرب:
-١ ضع نفسك مكان المتدرب.
ماهي حاجاته؟ عن ماذا يبحث؟ كيف يفكر؟
التجربة التعليمية القوية تبدأ من وجهة نظر المتعلم، لا من فكرة المدرّب..
كلما فهمت دوافعه، مخاوفه، وتوقعاته، أصبح تصميم التجربة أكثر دقّة وواقعية.. وأكثر ملاءمة لما يبحث عنه المتدرب ويستثمر فيه وقته وماله وجهده.
فالتعلم الحقيقي يحدث عندما نقول للمتدرب: (أنا فهمان تماماً على شو عم تبحث، وبتلاقيه عندي).
-٢ دع المتدرب يعيش الفكرة… لا يسمع عنها.
التجربة أقوى من الشرح.. النشاط، التجربة العملية، المحاكاة، الحوار، حتى الحركة البسيطة.
هذه الأشياء تفعل مناطق متعددة في الدماغ، وتحّول الفكرة من شيء أتعلمه إلى شيء اختبرته، وما يختبره الإنسان بنفسه يبقى طويلاً.
-٣ اربط الجديد بما يعرفه الدماغ مسبقاً.
العقل لا يحب التخزين العشوائي.. وخلق ارتباط أو علاقة بين المعلومة الجديدة وبين موقف معاش أو معلومة سابقة أو مشكلة محتملة
يرفع من قيمة المعلومة ويجعلها مفهومة، ومفيدة بشكل واضح.. وبالتالي أكثر ارتباطاً بالذاكرة.
-٤ التكرار الذكي.. هو سر التثبيت.
التكرار لا يعني إعادة الشرح، وإنما يعني تنشيط المسار العصبي الذي بُني حول الفكرة ذاتها، وذلك عن طريق تكرار الفكرة بطرق مختلفة:
مثال… قصة… نشاط… سؤال انعكاسي…
كل تنشيط إضافي يسحب الفكرة خطوة أعمق نحو الذاكرة طويلة المدى.
-٥ المساحة الآمنة… ليست رفاهية.
لا يمكن لفكرة أن تتسرب إلى الذاكرة إذا كان المتعلم متوتراً، محرجاً، أو غير مرتاح.
المساحة الآمنة ليست مفهوماً لطيفاً فقط، بل هي شرط مهم لتفعيل الدماغ التعلمي.
عندما يشعر المتعلم بالأمان، يزداد نشاط مراكز الفهم والانفتاح والفضول… وهذا وحده كفيل بأن يغيّر عمق التجربة!
-٦ اختم التجربة بنهاية جيدة.
التجربة التعليمية يجب أن لا تنتهي عند آخر شريحة أو سؤال.. وإنما عندما نساعد المتعلم أن يرى:
ماذا تعلّم فعلاً؟ وكيف سيستخدمه؟ وما الخطوة الصغيرة التالية؟
وكأنك تقوم بربط كل الخيوط معاً لتمنع التجربة من الانفلات.
وفي النهاية، التجارب التعليمية التي تلتصق بالذاكرة ليست تلك التي تقدم (معلومات كثيرة)
وإنما تلك التي تقدم تجربة يشعر بها المتعلم، يعيشها، ويستطيع الاستفادة منها في حياته العملية.


