اكتب لكم هذا المقال وأنا أراقب صورنا في الثمانينات خلال اليومين الفائتين بعد ما امتلأ الانستغرام بها، و اعلم ان في داخل الكثيرين منا حنين لذاك الزمن بالرغم من ان اغلبنا لم يعشه او ربما عاش فيه سنوات طفولته الأولى .. ما سر هذا الحنين ؟ وهل هذه النوستالجيا في مكانها ؟ هل فعلا كان الزمن أفضل؟ .. سأشاركم هنا رأيي من زاوية العمل وأحب ان اسمع منكم ايضا
الوضوح المريح وغياب الاشعارات !
في جانب منها، النوستالجيا محقة. كان هناك شيء حقيقي في وضوح ذلك الزمن. الموظف يذهب إلى عمله في التاسعة صباحاً، ويعود في الخامسة مساءً، وحين يعود، ينتهي عمله فعلياً… لا رسائل تصل بعد منتصف الليل، ولا إشعارات تطارده في عطلة نهاية الأسبوع. كانت العلاقة بين الإنسان والعمل محكومة بحدود واضحة:( مكان واحد، وقت محدد، ومهمة معروفة).
وكان هناك أيضاً أمان نفسي مرتبط بالاستقرار الوظيفي. من يدخل شركة أو مؤسسة، كان يدخلها غالباً وهو يعرف أنه سيتقاعد منها بعد عقود، وأن هذا الاستقرار مضمون طالما التزم وأدى عمله بجدية. لم تكن الوظيفة مصدر رزق فقط، بل كانت أيضاً هوية اجتماعية ثابتة يستطيع الإنسان أن يتكئ عليها في تعريف نفسه أمام الآخرين، وفي التخطيط لمستقبله دون قلق دائم من تغيّر مفاجئ.
وهذا الوضوح، بصراحة، شيء نفتقده اليوم. كثيرون ممن أرافقهم في رحلة تصميم مسارهم المهني ( المظلة ) يعبّرون عن الإرهاق نفسه: “أنا متعب من عدم اليقين، أريد فقط أن أعرف إلى أين أنا ذاهب”.
لكن! ما لا تخبرنا به الصورة القديمة
لكن هذا الوضوح كان له ثمن لم تُظهره الصورالقديمة الجميلة . كان معظم الناس محكومين بخيارات محدودة جداً منذ البداية، فمن وُلد في عائلة نجارين، غالباً سيصبح نجاراً، بصرف النظر عما يجول في داخله من رغبات أخرى. لم يكن هناك مساحة واسعة للتجربة، ولا للفشل ثم إعادة المحاولة في مجال مختلف كلياً. من يشعر أن عمله لا يناسبه فعلاً، كان أمامه خياران لا ثالث لهما: أن يتأقلم بصمت، أو أن يُنظر إليه كشخص “غير جاد” و”غير مستقر”.
وكان الوصول إلى المعلومة نفسه محدوداً. من أراد أن يتعلّم مهارة جديدة، كان يحتاج إلى معلّم حقيقي، أو كتاباً نادراً، أو فرصة تدريب قد لا تُتاح له أبداً. أما اليوم، فبإمكان أي شخص أن يتعلم أساسيات مجال جديد كامل خلال أسابيع، من مصادر مجانية بين يديه. هذه الحرية، رغم كل ما تحمله من إرهاق وتشتت أحياناً، هي حرية لم تكن موجودة بالشكل نفسه قبل أربعين عاماً.
الواقع اليوم: حرية أكبر، ويقين أقل
واقع العمل اليوم معاكس تقريباً لواقع الثمانينيات، بكل ما يحمله هذا التناقض من مكاسب وأثمان. الحدود بين العمل والحياة الشخصية تلاشت إلى حد كبير، فصار كثيرون يعملون من أي مكان وفي أي وقت، وهذا مكسب حقيقي لمن يبحث عن مرونة، لكنه في الوقت نفسه عبء ثقيل لمن لا يعرف كيف يضع لنفسه حدوداً واضحة.
والاستقرار الوظيفي الذي كان يُعتبر أمراً مفروغاً منه، صار اليوم استثناءً لا قاعدة. المهارة التي تُطلب بكثرة اليوم قد لا تكون مطلوبة غداً، والمسار الذي رسمته لنفسك في العشرينيات من عمرك قد يتغيّر كلياً في الثلاثينيات، ليس لأنك غير جاد، بل لأن العالم نفسه لم يعد يسير بالوتيرة البطيئة التي كان يسير بها من قبل.
لكن في المقابل، صار الإنسان اليوم حراً بطريقة لم يعرفها أجداده: حراً في أن يجرّب أكثر من مجال، وأن يغيّر رأيه، وأن يبني مساراً لا يشبه مسار أبيه أو أمه، دون أن يُعتبر هذا خللاً في شخصيته. هذه الحرية تأتي بثمن اسمه “عدم اليقين”، لكنها في المقابل تفتح أبواباً لم تكن مفتوحة على الإطلاق قبل جيل واحد فقط.
في النهاية..
أحب النوستالجيا لست ممن يرون فيها هروباً من الواقع، بل أراها أحياناً وسيلة جيدة لفهمه بشكل أعمق. حين ننظر إلى تلك الصور القديمة بعين واعية، نبحث عن الأسئلة التي أجاب عنها ذلك الزمن بطريقته، والتي نحن اليوم مطالبون بأن نجيب عنها بطريقتنا الخاصة: كيف أبني استقراراً داخلياً في عالم لا يقدّم استقراراً خارجياً ثابتاً؟ كيف أحافظ على حدود واضحة بين عملي وحياتي، في عالم بلا حدود؟ وكيف أحوّل الحرية التي أمتلكها اليوم، بكل ما فيها من تشتت محتمل، إلى مصدر قوة بدل أن تكون مصدر قلق؟
إذا شعرت أن الوقت حان لترتّب مسارك المهني وتبني مظلتك الخاصة، يمكنكِ إلاطلاع أولاً على تفاصيل باقة مرافقة المظلة الفردية والتعرّف أكثر على ما تتضمنه وكيف يمكن أن نعمل معًا.
وإذا بقيت لديك أسئلة، أو كنت غير متأكد إن كانت المرافقة هي الخيار المناسب لك في هذه المرحلة، يمكنك حجز مكالمة استكشافية مجانية . نتحدث فيها عن وضعك وما تبحث عنه، وأجيب عن أسئلتك، ثم نرى معًا إن كانت هذه الرحلة مناسبة لك الآن.